مرور شهر على الإتفاق
مرّ شهر على دخول الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة الانتقالية حيّز التنفيذ، غير أنّ بعض بنوده المتعلّقة بالتطبيق ما تزال يكتنفها الغموض.
ليس خافيًا أنّ اتفاق 29 يناير الأخير شكّل أرضية لزجة لكلا الطرفين؛ فقد أعلن كلٌّ منهما النصر على حدة، بمشاركة نشطة من أجهزتهما الإعلامية. وبينما ينشغل كل طرف بترديد روايته الخاصة، تبقى أصوات شعوب المنطقة غير مسموعة في هذه المعادلة: العرب والكرد والسريان وغيرهم.
من جهة أخرى، يتقدّم مسار الاندماج العسكري والأمني على قدم وساق. جرى ضمان ثلاثة ألوية كردية في محافظة الحسكة ولواء في كوباني، كما ينصّ الاتفاق على إدخال قوّات الأسايش ضمن جهاز الأمن العام. ودخلت القوات الحكومية بأعداد محدودة إلى الحسكة، ثم إلى القامشلي/قامشلو، وتمركزت في المدن الكبرى والنقاط الحدودية.
ومع كل تعثّر في التنفيذ، يسارع الطرفان إلى التوجّه نحو رعاة الاتفاق، أي الولايات المتحدة وتركيا، لتقديم شكاواهما، ما يكشف مرة أخرى مدى هشاشة هذا الاندماج من الداخل. فهذه العملية لا تتشكّل على أساس احتياجات الشعب والمنطقة، ولا تعطي الأولوية لحقوقهم ومطالبهم ومشكلاتهم الاقتصادية.
على مدى عشر سنوات، سعت قسد إلى إقناع الشعب السوري والمجتمع الدولي بأنها مشروع ديمقراطي يضمن حقوق جميع المكوّنات في شرق الفرات، وقدّمت نفسها بوصفها إدارة تعددية وتقدمية. غير أنّ أول اختبار حقيقي أظهر بوضوح تعارض هذه الخطابات مع الواقع؛ إذ أُخضعت الأهداف بعيدة المدى لمكاسب قصيرة الأجل، ووُضعت الحقوق الاقتصادية والديمقراطية للشعوب في خدمة مصالح استمرارية سلطتها وحكمها.
وفي المقابل، قدّمت حكومة دمشق الجديدة نفسها باعتبارها الضامن الوحيد لجميع مكوّنات الشعب السوري، وبنت خطابها على وحدة الأراضي السورية من المركز باعتبارها نقطة الانطلاق لإعادة بناء مؤسسات الدولة. إلا أنّ الأزمات تتفاقم تباعًا، وفي مقدّمتها ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية، وقلّة فرص العمل، والبطالة المقنّعة. وإلى جانب ذلك، تتزايد التسويات مع فلول نظام الأسد، ولا سيما عناصره البرجوازية، كما تنتشر المحسوبية وتوظيف الأقارب وكل من يدور في فلك هيئة تحرير الشام على وجه التحديد.
وهكذا عادت أوضاع الشعب السوري إلى نقطة البداية من جديد، فما زالت أهمّ الأسباب التي دفعت الملايين إلى الساحات طلبًا للكرامة والحرية قائمة حتى الآن.
إن زوال عصابة الأسد شكّل نقطة تحوّل كبرى في مسار تحقيق الأهداف الثورية للشعب السوري، غير أنّ قيام القوى الإمبريالية والبرجوازية المحلية بإعادة تموضعها والدخول في اصطفافات جديدة للسيطرة الكاملة على العملية السياسية سيعني سرقة المطالب الثورية للشعب. إن الواقع الراهن يجعل من بناء برنامج سياسي ثوري وخيار بديل يمثّل مطالب الشعب السوري في «الحرية والكرامة» مسألةً حيوية و أساسيّة.
Yorumlar kapalıdır.