دونالد ترامب يتكبد هزيمة في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية: ضربة تعزز نضالات الشعوب في مختلف أنحاء العالم
خسر دونالد ترامب السيطرة على كلٍّ من مجلس النواب ومجلس الشيوخ الأمريكيين، في انتخابات التجديد النصفي. ويشكّل ذلك خبراً بالغ الأهمية، من شأنه أن يعزز معنويات نضالات الشعوب في مختلف أنحاء العالم.
فمنذ عامين فقط، حقق دونالد ترامب فوزاً انتخابياً واسعاً بالرئاسة الأمريكية. أما اليوم، فقد السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، اللذين كان يتمتع فيهما بالأغلبية. وخسر الجمهوريون مقاعد في ولايات كارولاينا الجنوبية، وكارولاينا الشمالية، وأوهايو، وكانساس، وأيوا، وتكساس، وماين. وفي بعض الولايات، مُنيوا بهزائم تاريخية حقيقية، في مناطق لم يخسروا فيها منذ عقود، مثل معاقلهم التقليدية في كانساس وتكساس وولايتي كارولاينا.
بل إنهم خسروا أيضاً في ولاية نبراسكا أمام مرشح مستقل، وهو نقابي قاد إضراب شركة «كيلوغز» عام 2020. وفي جورجيا، حيث كانت النتائج متقاربة للغاية في الانتخابات الأخيرة، حقق الديمقراطيون هذه المرة فوزاً مريحاً، وشهدت الولاية حدثاً تاريخياً بانتخاب أول امرأة أمريكية من أصول إفريقية لمنصب الحاكمة. كما فازت امرأة من أصول لاتينية بمنصب حاكمة ولاية تكساس. أما في كاليفورنيا، فقد تحقق انتصار ديمقراطي واضح، وإن كان متوقعاً، حيث انتُخب كزافييه بيسيرا، ليصبح أول حاكم من أصول لاتينية في تاريخ الولاية.
وفي بلد تتسم فيه الانتخابات بارتفاع معدلات العزوف عن التصويت، وتُجرى عمليات الاقتراع فيه خلال يوم عمل عادي، برز هذه المرة نشاط جماهيري واسع، ولا سيما في أوساط الشباب، بهدف هزيمة ترامب.
وبالطبع، ينبغي أن نكون واضحين في أن الحزب الذي حقق الفوز ليس سوى الحزب الديمقراطي، الطرف الآخر في النظام السياسي للإمبريالية الأمريكية، والمرتبط بالمؤسسة الاقتصادية الحاكمة في القوة العظمى الأولى في العالم، تماماً مثل الحزب الجمهوري. كما يرتبط الحزب الديمقراطي، في غالبيته، بسياسات دولة إسرائيل، ويدعمها، شأنه شأن سياسات الهيمنة والنهب التي تنتهجها الإمبريالية الأمريكية منذ نشأتها.
وكل ذلك لا ينتقص من أهمية تمكن عدد محدود من المرشحين الأكثر راديكالية من شق طريقهم، وهزيمة المؤسسة الحزبية التقليدية داخل الحزب الديمقراطي، كما حدث قبل عام، مع فوز ممداني برئاسة بلدية نيويورك، أو كما حدث الآن مع عبدول السيد، المرشح لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان.
لماذا خسر ترامب؟
وصل الرئيس الأمريكي الحالي إلى السلطة متعهداً بوضع حد للأزمة التي تعصف بالبلاد منذ فترة طويلة. وكان شعار حملته الانتخابية «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» (Make America Great Again)، الذي تكرر بلا انقطاع على القبعات والقمصان، يحمل وعوداً لشرائح واسعة من الطبقة العاملة والفئات الشعبية بتحسين أوضاعها المعيشية، من خلال رفع الأجور، وتوفير المزيد من فرص العمل، وخفض تكاليف المعيشة.
لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق. فقد استمر التضخم في التهام ميزانيات الأسر، وأخذ عدد الأشخاص العاجزين عن تحمل تكاليف تعليم أبنائهم، والرعاية الصحية، وأقساط الرهن العقاري، أو حتى مجرد تعبئة سياراتهم بالوقود يتزايد.
كما أسهم ارتفاع أسعار البنزين، الذي تفاقم بفعل الهجمات على إيران، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، مثل وجبات البوريتو المكسيكية الشهيرة، في تصاعد الغضب الشعبي ضد الحكومة.
Bunu da okuyunنحن إلى جانب انتفاضة الشعب الإيراني ضد الديكتاتوريةلا مكان للإمبريالية ولا للصهيونية ولا للملكية!
لقد انحازت السياسة الاقتصادية لترامب، دون تردد، إلى كبار رجال الأعمال، من خلال تخفيض الضرائب المفروضة عليهم، في حين فُرضت إجراءات التقشف على العمال والعاملات، وجرى تقليص الخدمات الاجتماعية. وقد أدت هذه السياسات مجتمعة إلى اتساع حالة الرفض الشعبي لترامب، وهو ما عكسته استطلاعات الرأي، التي أظهرت أن أكثر من 60% من الأمريكيين يعارضون سياساته بوضوح، قبل أن تأتي الانتخابات لتؤكد ذلك.
وكان من العوامل المهمة أيضاً الهجوم العنيف للغاية الذي شنته الإدارة الأمريكية على السكان المهاجرين. فقد شنّت وكالة الهجرة والجمارك، المعروفة اختصاراً باسم «ICE»، حملات مداهمة ومطاردة واسعة استهدفت المهاجرين وعائلاتهم، بل وحتى الأشخاص الذين يقدمون لهم الدعم والمساندة، ناشرةً أجواء من الرعب، ولكنها في الوقت نفسه أثارت موجة واسعة من الغضب والرفض، تجسدت في مظاهرات حاشدة ضد هذه السياسات.
وفي مطلع عام 2026، شهدت مدينة مينيابوليس، بولاية مينيسوتا، موجة احتجاجات واسعة، وصلت إلى حد إعلان إضراب عام شامل، وهو أمر استثنائي حقاً في الولايات المتحدة. وقد انتهت هذه الأحداث باستقالة تود ليونز، مدير وكالة ICE، عقب مقتل ناشطين اثنين.
وتصاعدت الاحتجاجات ضد ترامب واتسعت قاعدتها الجماهيرية على امتداد العامين الماضيين. وكان أبرزها ما عُرف باحتجاجات «لا للملوك» (No Kings)، وهي سلسلة من التحركات الجماهيرية على مستوى البلاد، دعت إليها منظمات مختلفة لمناهضة سياسات الرئيس ونزعته السلطوية.
ورفع هذا الحراك شعار حركة 50501، الذي يعني: 50 ولاية، و50 احتجاجاً، وحركة واحدة.
وقد نُظمت أبرز جولات الاحتجاج في يونيو وأكتوبر 2025، ثم في مارس وأكتوبر من العام الجاري، وشهدت مشاركة حاشدة في مدن مثل نيويورك، ولوس أنجلوس، وواشنطن العاصمة، وأتلانتا، ومينيابوليس، وميامي، وسان دييغو، فضلاً عن امتدادها إلى مدن خارج الولايات المتحدة، مثل لندن ومدريد وباريس وروما وبرشلونة.
وفي مارس 2026، الذي شهد أكبر موجة من هذه الاحتجاجات، تشير التقديرات إلى مشاركة نحو ثمانية ملايين شخص في مختلف أنحاء البلاد.
ولا ينبغي، بطبيعة الحال، أن نغفل التصريحات والمواقف المعادية للنساء، والذكورية، ورهاب المثلية الجنسية، التي دأب ترامب ومقربوه على إطلاقها، بما في ذلك ما يتعلق بتورط الرئيس نفسه في فضيحة إبستين، وما ارتبط بها من اتهامات تتعلق بالاعتداء الجنسي على الأطفال.
إخفاق الهجوم المضاد الإمبريالي الذي قاده ترامب
كان لتصريحات ترامب النارية، التي لم يتمكن من تحويلها إلى واقع، دور مهم أيضاً في هزيمته. فلنتذكر خرائطه التي ضمّ فيها المكسيك وكندا إلى الولايات المتحدة، أو تهديداته بضم غرينلاند.
كما تورط ترامب في مأزق مقترحاته، بالتعاون مع نتنياهو، لتحويل قطاع غزة إلى منتجع سياحي على ساحل البحر المتوسط، بعد إبادة الفلسطينيين في القطاع أو تهجيرهم جميعاً منه.
وينبغي التذكير بأن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً غير مسبوق في مستوى التأييد للقضية الفلسطينية داخل الولايات المتحدة، مقابل تنامي رفض دولة إسرائيل الصهيونية، وهو ما تجسد في المظاهرات والاعتصامات الطلابية داخل أبرز الجامعات الأمريكية.
وفي عام 2026، انتقل ترامب من الأقوال إلى الأفعال على الصعيد العسكري. فقد قصف العاصمة الفنزويلية كاراكاس، واختطف الرئيس نيكولاس مادورو، لكن وعوده بإرساء «الديمقراطية» في فنزويلا سرعان ما تلاشت، بعدما توصل إلى اتفاق مع الرئيسة المؤقتة الجديدة ديلسي رودريغيز، يقضي باستمرار النظام التشافيزي من دون مادورو، مقابل نهب النفط الفنزويلي لمصلحة الولايات المتحدة.
لكن أكبر إخفاقات ترامب، بلا شك، كانت في تعهده بالقضاء على النظام الإيراني خلال ساعات قليلة.
فحتى بعدما هدد بـ«محو حضارة بأكملها من الخريطة»، لم يتمكن الرئيس الأمريكي من تحقيق هدفه. بل على العكس، أسهمت هذه المواجهة في تفجير أزمة طاقة غير مسبوقة، نتيجة إغلاق الحكومة الإيرانية مضيق هرمز. ولا تزال تداعيات هذه الأزمة، وفي مقدمتها الارتفاع الهائل في أسعار النفط، من دون حل حتى الآن.
هزيمة ترامب تعزز نضالات المناضلين في مختلف أنحاء العالم
إن هزيمة اليمين المتطرف للإمبريالية الأمريكية تشكل خبراً بالغ الأهمية.
وبالطبع، يسود الارتياح وترتفع المعنويات في صفوف ملايين الشباب والعاملين والعاملات والمهاجرين، والناشطين والناشطات في الحركات النسوية وحركات النضال من أجل حقوق التنوع الجنسي والجندري، وكذلك المدافعين عن القضية الفلسطينية، في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.
لكن الهزيمة الساحقة التي مُني بها ترامب لا يتردد صداها داخل الولايات المتحدة وحدها، بل تُستقبل أيضاً بحالة من الابتهاج في كل مكان من العالم يشهد نضالاً ضد الإمبريالية.
إنها فرحة أولئك الذين يرزحون تحت وطأة سياسات التقشف التي يفرضها صندوق النقد الدولي في البلدان شبه المستعمَرة، وأولئك الذين يقاومون الهجمات الدموية على إيران والإبادة الجماعية في غزة، وكذلك الشباب الذين يملؤون الساحات والميادين في أوروبا احتجاجاً على نظام رأسمالي لم يعد لديه ما يقدمه لهم.
لقد خسر ترامب. وخسر معه الراعي الإمبريالي لكل من ميلي، وبولسونارو، وكاست، وبوكيله، ولا إسبرييا. وخسر شريك نتنياهو، المتهم بارتكاب الإبادة الجماعية.
وبلا شك، حققت الطبقات العاملة، وجميع المستغَلّين والمضطهَدين في العالم، انتصاراً في إحدى جولات هذه المواجهة.





