حين يصبح المجتمع حجةً لتقييد الثقافة، وتتحول المراكز الثقافية من فضاءات عامة إلى مؤسسات تحكمها حساسيات السلطة والمزاج المحلي، يصبح السؤال عن استقلالية القرار الثقافي جزءًا من السؤال الأوسع عن طبيعة الدولة السورية الجديدة.
فاللامركزية ليست مجرد نقل للصلاحيات من العاصمة إلى المحافظات، ولا يكفي منح الإدارات المحلية هامشًا من الحرية في اتخاذ القرارات حتى نكون أمام نموذج إداري لامركزي. المعيار الحقيقي هو طبيعة هذه الصلاحيات وحدودها، والجهة التي تخضع لها، والضمانات التي تمنع استخدامها بصورة اعتباطية أو توظيفها سياسيًا واجتماعيًا.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في إدارة المؤسسات الثقافية، التي يُفترض أن تكون فضاءات عامة مفتوحة أمام مختلف أشكال التعبير الفني والفكري، بعيدًا عن الوصاية السياسية أو الأيديولوجية. فالمركز الثقافي ليس مجرد مبنى تابع لوزارة الثقافة، بل مؤسسة يفترض أن تتيح للمواطنين التعرف إلى تجارب فنية وفكرية متنوعة، وأن تفتح المجال أمام الحوار والاختلاف.
لكن ما تكشفه بعض التجارب في مدن شرق سوريا يطرح تساؤلات تتجاوز الأداء الإداري للمراكز الثقافية إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين القرار الرسمي والضغوط المحلية. فهل نحن أمام غياب لسياسة ثقافية وطنية واضحة، أم أمام لامركزية في اتخاذ القرار تتحول في بعض المناطق إلى تفويض غير منضبط للمنع والتقييد؟ وهل يمكن أن يصبح الاحتجاج الاجتماعي، الحقيقي أو المنظّم، وسيلة غير مباشرة لفرض حدود على الثقافة، فيما تكتفي السلطة بمراقبة ما يجري والقول إن المجتمع لا يريد؟
الطبقة: حين تصبح الحساسية الاجتماعية معيارًا للقرار الثقافي
قبل نحو شهر، زرنا مدينة الطبقة وتوجهنا إلى مركزها الثقافي، الذي يُعد من المؤسسات الثقافية المهمة في المنطقة. استقبلنا العاملون في المركز بحفاوة، وبدأوا يتحدثون عن الصعوبات التي تواجه عملهم، وعن محدودية قدرتهم على تنظيم الأنشطة التي يرغبون في تقديمها.
لم يكن الحديث يدور حول نقص الإمكانات المادية وحده، بل عن قيود تتعلق بما يمكن عرضه على خشبة المسرح، وما قد يُسمح به أو يُمنع تحت عنوان الحفاظ على السلم الأهلي ومراعاة حساسيات المجتمع المحلي.
ومن بين الأمثلة التي رواها لنا المسؤول عن المسرح في المركز، منعه من عرض الفيلم الوثائقي «طوفان في بلاد البعث» للمخرج السوري عمر أميرالاي، بحجة أن الفيلم يتناول شخصية عشائرية ارتبطت بالنظام السابق، وأن عرضه قد يثير حساسيات في المنطقة ويهدد السلم الأهلي.
والفيلم، الذي أُنتج عام 2003، يتناول آثار سياسات حزب البعث في المجتمع السوري، من خلال العودة إلى قرية الماشي ومشروع سد الفرات، ويقدم قراءة نقدية للعلاقة بين السلطة والبنى الاجتماعية المحلية. وهو عمل سينمائي سياسي واجتماعي يفتح المجال للنقاش حول التاريخ السوري، ولا يمكن اختزاله في موقف من شخصية أو جماعة اجتماعية.
الإشكالية هنا لا تتعلق بضرورة عرض كل فيلم في كل مكان بمعزل عن سياقه، بل بالمعيار الذي يُتخذ القرار على أساسه. هل خضع الفيلم لتقييم ثقافي ومهني واضح؟ وهل جرى بحث إمكانية تنظيم نقاش يرافق عرضه؟ أم أن مجرد توقع اعتراض بعض الأطراف كان كافيًا لمنعه؟
إن استخدام مفهوم السلم الأهلي لتبرير منع عمل فني، من دون توضيح طبيعة المخاطر أو البحث عن بدائل تتيح العرض والنقاش، يفتح الباب أمام تحويل الحساسية الاجتماعية إلى حق نقض غير معلن على النشاط الثقافي. والأخطر أن يصبح كل عمل يتناول شخصية محلية أو مرحلة تاريخية أو قضية خلافية عرضة للمنع، بمجرد احتمال اعتراض فئة من الجمهور.
وبذلك لا يعود معيار القرار هو القيمة الثقافية للعمل أو مدى توافقه مع القانون، بل مقدار الضجة التي قد يثيرها.
ووفق ما رواه لنا العاملون في المركز، فإن القيود لا تقتصر على الأفلام المرتبطة بالتاريخ السياسي السوري، بل تمتد إلى أعمال من السينما الإيرانية، التي وصفها أحد المسؤولين بأنها من التجارب السينمائية المهمة عالميًا، مشيرًا إلى أن عددًا من مخرجيها قدموا أعمالًا نقدية تجاه الواقع السياسي والاجتماعي في إيران.
ومع ذلك، قيل لنا إن عرض هذه الأفلام يواجه اعتراضات تستند إلى أن المجتمع المحلي قد لا يتقبل السينما الإيرانية في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف: هل تُقيَّم الأفلام على أساس مضمونها الفني والفكري، أم على أساس جنسية مخرجيها والمواقف السياسية المفترضة منهم؟ وهل يُفترض بالمؤسسة الثقافية أن تعكس التصورات السائدة في المجتمع كما هي، أم أن من وظائفها أيضًا توسيع أفق الجمهور وإتاحة الفرصة أمامه لاكتشاف تجارب مختلفة والحكم عليها بنفسه؟
لا يعني ذلك تجاهل المجتمع أو فرض خيارات ثقافية عليه، بل رفض افتراض أن الجمهور سيرفض ما لا يعرفه، ثم اتخاذ هذا الافتراض ذريعة لمنعه من المشاهدة والنقاش.
في المقابل، تحدث العاملون عن أن محاولات تنظيم عروض سينمائية ودرامية لم تحقق حضورًا جماهيريًا يرقى إلى توقعاتهم. وهذه ملاحظة تستحق الاهتمام، لكنها لا تكفي للحكم على حاجة المجتمع إلى السينما أو اهتمامه بها. فبناء الجمهور يحتاج إلى برامج مستمرة، وتنويع في العروض، وترويج مناسب، وعلاقة تدريجية بين المؤسسة الثقافية وروادها.
كما أشاروا إلى حضور واسع للمحاضرات الدينية والدعوية التي تُقام في المركز، وامتلاء القاعة في بعض هذه الفعاليات. ولا مشكلة في استضافة هذه الأنشطة، ما دامت تُنظَّم ضمن إطار قانوني واضح ويحصل غيرها على فرص عادلة أيضًا.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإقبال على نوع معين من الأنشطة إلى حجة لتقييد أنواع أخرى. فامتلاء القاعة بمحاضرة دينية لا يعني أن المجتمع يرفض السينما والموسيقى والمسرح، كما أن ضعف الحضور في عرض سينمائي لا يمنح أحدًا حق إغلاق الباب أمام عروض أخرى.
إن وظيفة المؤسسة الثقافية ليست تنفيذ ما يحظى بالأغلبية وحدها، بل إتاحة المجال أمام التنوع، بما في ذلك الأنشطة التي قد تجذب جمهورًا محدودًا في بدايتها. وإذا تحولت المؤسسة إلى مرآة للذائقة الأكثر حضورًا أو للأصوات الأعلى احتجاجًا، فإنها تفقد دورها في توسيع المجال الثقافي العام.
منبج: مركز ثقافي أم مساحة إدارية؟
تقدم تجربة مدينة منبج صورة أخرى عن الإشكالية نفسها.
فبحسب ما رصدناه وأُبلغنا به، لم يشهد مركز منبج الثقافي، منذ انتقال السيطرة على المدينة في 12 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى وقت زيارتنا ومتابعتنا، سوى أمسية شعرية واحدة. وكانت الأمسية محدودة الحضور، رغم مشاركة شعراء لا يُعرف عنهم اتخاذ موقف معارض للسلطة الجديدة.
في المقابل، تركز جانب كبير من نشاط المركز، وفق المعلومات التي وصلتنا، على الاجتماعات الدورية بين إدارة المنطقة والأهالي، واللقاءات المرتبطة بالقطاع التعليمي، والمحاضرات الدينية والدعوية، فيما غابت أو تراجعت إلى حد كبير الفعاليات الموسيقية والسينمائية والدرامية.
لا تكمن المشكلة في استضافة اجتماعات الأهالي أو المعلمين، ولا في تنظيم المحاضرات الدينية، فهذه أنشطة يمكن أن تكون جزءًا من الدور الاجتماعي للمركز. لكن السؤال هو: أين بقية الوظائف الثقافية؟ وأين السينما والموسيقى والمسرح والأدب والفنون البصرية؟
إذا كان المركز الثقافي لا يستطيع تقديم برنامج متنوع من الفعاليات، فإنه يتحول عمليًا من مؤسسة معنية بالحياة الثقافية إلى مساحة تُستخدم للاجتماعات والأنشطة ذات الطابع الاجتماعي أو الدعوي.
ولا يمكن تفسير هذا الواقع بمجرد القول إن المجتمع لا يرغب في الأنشطة الفنية، خصوصًا إذا لم تتوافر برامج مستمرة تسمح بتكوين جمهور، أو إذا كانت هناك قيود مسبقة تحد من أنواع الفعاليات التي يمكن تنظيمها.
فغياب النشاط لا يثبت غياب الطلب عليه، كما أن محدودية الحضور لا تفسر وحدها أسباب هذا الغياب. ومن غير المنطقي أن يُطلب من الجمهور إثبات اهتمامه بأنشطة لا يجد أمامه فرصًا منتظمة لمتابعتها.
وتطرح المقارنة مع مراكز ثقافية في مدن ومحافظات سورية أخرى، حيث تتنوع الفعاليات بين الشعر والموسيقى والفن والأدب والسينما، تساؤلات حول مدى وجود معايير وطنية مشتركة لإدارة المؤسسات الثقافية، وأسباب التفاوت في طبيعة النشاط بين منطقة وأخرى.
فإذا كانت هذه المراكز تتبع وزارة واحدة وتعمل ضمن الإطار القانوني العام نفسه، فلماذا تبدو مساحة الحركة الثقافية أوسع في بعض المدن وأضيق بكثير في مدن أخرى؟
هل يتعلق الأمر بقدرات المديرين المحليين ومبادراتهم؟ أم بظروف اجتماعية مختلفة؟ أم بتدخلات من جهات محلية تفرض تصوراتها على العمل الثقافي؟ أم بمزيج من هذه العوامل؟
لا يمكن الجزم بإجابة واحدة من دون الاطلاع على القرارات الإدارية والمراسلات الداخلية والاستماع إلى شهادات أطراف متعددة. لكن التفاوت نفسه يكشف الحاجة إلى مساءلة الجهة المشرفة عن القطاع الثقافي، ومعرفة ما إذا كانت الإدارات المحلية تتمتع بصلاحيات فعلية أم تعمل تحت ضغوط لا تظهر في القرارات الرسمية.
Bunu da okuyunيجب أن تتوقف الاشتباكات في حلب فوراً، وأن تُعترف الحقوق الديمقراطية لشعوب سوريا اعترافاً غير مشروط
الرقة: حين ينتهي الاعتراض الرسمي ويبدأ الضغط الاجتماعي
تقدم تجربة معرض «معتقلون ومغيبون»، الذي نظمه فريق «ذاكرة إبداعية للثورة السورية» في مدينة الرقة، مثالًا آخر على العلاقة المعقدة بين النشاط الثقافي والاعتراضات المحلية.
بحسب رواية الفريق التي ننطلق منها في هذه المقالة، كان المعرض مرخصًا أصولًا من وزارة الثقافة في دمشق، وافتُتح بالفعل في يومه الأول، متضمنًا أعمالًا فنية توثق ذاكرة المعتقلين والمغيبين.
لكن المعرض واجه اعتراضات من بعض الزائرين، بينهم أشخاص من أبناء المدينة وناشطون محليون، ثم تعرض الفريق، بعد انتهاء الجلسة الحوارية وانقضاء اليوم الأول، لهجوم واسع على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويقول الفريق إن أجهزة سياسية وأمنية أبدت اعتراضات على المعرض، وإن هذه الاعتراضات لم تتخذ، بحسب وصفه، شكلًا قمعيًا مباشرًا بالدرجة نفسها التي اتخذها الهجوم الاجتماعي والإلكتروني. وقد أثارت هذه التطورات مخاوف بشأن إمكانية استمرار المعرض طوال مدته المقررة، وهي ثلاثة أيام.
وتحتاج هذه الواقعة إلى توثيق مستقل، والاستماع إلى الفريق المنظم والجهات الرسمية والأشخاص الذين اعترضوا على المعرض، قبل استخلاص استنتاج نهائي بشأن المسؤولية عن الهجوم أو دوافعه.
لكن حتى من دون الجزم بوجود تنسيق بين السلطة وأي من المعترضين، فإن الواقعة تطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا يحدث عندما يتعرض نشاط ثقافي مرخص لحملة ضغط اجتماعي تهدد استمراره؟ وهل تكتفي الجهات الرسمية بمراقبة ما يجري، أم تتدخل لحماية حق المنظمين في إقامة نشاطهم ما دام ملتزمًا بالقانون؟
إن الاعتراض على معرض فني أو نقاش عام حق مكفول في إطار حرية التعبير، مثلما أن تنظيم المعرض نفسه حق ينبغي حمايته. لكن الاعتراض يختلف عن التهديد أو الترهيب أو الضغط الذي يهدف إلى منع الآخرين من ممارسة حقوقهم.
وإذا تُركت الفعاليات الثقافية لمواجهة حملات الضغط من دون ضمانات واضحة، فقد يصبح بإمكان أي مجموعة التأثير في استمرار نشاط عام من خلال إثارة الجدل حوله، حتى لو كان النشاط مرخصًا من الجهة الحكومية المختصة.
وهنا تظهر إحدى أخطر المشكلات المحتملة: أن تصبح الضغوط الاجتماعية بديلًا عن القرار الرسمي، وأن يتحول وجود اعتراضات محلية إلى سبب كافٍ لتراجع المؤسسات عن حماية النشاط الثقافي.
أما السؤال عما إذا كانت السلطة تحرك بعض جمهورها لإيقاف فعاليات لا ترغب في استمرارها، ثم تتنصل من المسؤولية بحجة أن المجتمع يرفضها، فهو احتمال مشروع للتحقيق، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى استنتاج محسوم من دون أدلة تثبت التنسيق أو التوجيه.
والتمييز ضروري بين ثلاث حالات: اعتراض اجتماعي مستقل عن السلطة، وتدخل رسمي مباشر لمنع النشاط، وحالة تُستخدم فيها ضغوط اجتماعية منسقة أو مستغلة لتحقيق نتيجة ترغب فيها جهات رسمية من دون إصدار قرار معلن.
لكل حالة طبيعتها ومسؤولياتها، ولا يمكن إثبات الثالثة بمجرد وقوع الاعتراض بالتزامن مع تحفظات رسمية. لكنها تظل احتمالًا يستحق الفحص عندما تتكرر أنماط متشابهة، وتغيب الشفافية، ولا تتدخل الجهات المسؤولة لحماية الأنشطة المرخصة.
هل نحن أمام لامركزية إدارية أم لامركزية في المنع؟
تجمع تجارب الطبقة ومنبج والرقة حول سؤال أساسي: من يملك القرار الفعلي داخل المراكز الثقافية، ومن يحدد حدود النشاط المسموح به؟
من الناحية الإدارية، تتبع المراكز الثقافية التابعة للدولة إطارًا مؤسسيًا مرتبطًا بوزارة الثقافة ومديرياتها المختصة. لكن ممارسة العمل اليومي قد تتأثر أيضًا بصلاحيات المدير، وتقدير المسؤولين المحليين، والظروف الأمنية، والاعتراضات الاجتماعية، وطبيعة العلاقة بين إدارة المركز والسلطات المحلية.
ولا بد من التمييز بين تفويض الصلاحيات الإدارية، الذي قد يكون ضروريًا لتمكين المؤسسات من العمل بكفاءة، وبين ترك القرارات الثقافية الحساسة لتقديرات شخصية أو ضغوط غير محددة المعايير.
فاللامركزية الإدارية السليمة تعني منح المؤسسات المحلية صلاحيات واضحة، مع تحديد مسؤولياتها وضمان خضوع قراراتها للقانون والرقابة. أما غياب المعايير المشتركة، بحيث يستطيع مركز ثقافي تنظيم فعالية بينما يتعذر على مركز آخر تنظيم فعالية مشابهة من دون تفسير واضح، فيخلق بيئة إدارية غير متكافئة.
ولا يعني ذلك أن جميع المراكز الثقافية ينبغي أن تقدم برامج متطابقة؛ فمن الطبيعي أن تختلف الأنشطة وفق احتياجات المجتمعات المحلية ومواردها. لكن الاختلاف في البرامج شيء، والاختلاف في حدود حرية التعبير المتاحة شيء آخر.
يمكن لمدينة أن تستقطب جمهورًا أكبر للمسرح، وأخرى للسينما، وثالثة للشعر والفنون البصرية. أما أن تصبح بعض الأنشطة مقبولة في مدينة وممنوعة في أخرى بسبب تقديرات غير معلنة أو حساسيات سياسية واجتماعية، فذلك يطرح مشكلة تتعلق بالمساواة في الوصول إلى الثقافة وبوحدة المعايير القانونية والإدارية.
وإذا كان مدير المركز يملك صلاحية اقتراح الفعاليات وتنظيمها، لكنه لا يستطيع تنفيذها بسبب اعتراضات غير رسمية من مسؤول محلي أو جهة أمنية أو مجموعة اجتماعية نافذة، فمن الضروري معرفة طبيعة العلاقة بين هذه الأطراف: من يملك سلطة الاعتراض؟ وهل يستند اعتراضه إلى نص قانوني أو قرار إداري مكتوب؟ وهل يمكن مراجعته أو الطعن فيه؟
من دون إجابات واضحة، يصعب تحديد ما إذا كانت المشكلة ناتجة عن مركزية القرار في دمشق، أو عن تفويض واسع وغير منضبط للسلطات المحلية، أو عن تداخل بين المستويين المركزي والمحلي.
وقد تكون المفارقة أن المؤسسة الثقافية تعاني من المركزية حين يتعلق الأمر بالتمويل والموارد والصلاحيات، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا محلية واسعة حين يتعلق الأمر بمضمون نشاطها.
وهذا يخلق نموذجًا ملتبسًا لا تتحقق فيه مزايا المركزية ولا ضمانات اللامركزية: مسؤوليات غير واضحة، وصلاحيات غير شفافة، وحقوق ثقافية تتأثر بموازين القوى المحلية.
هل يُعاد تشكيل المجال الثقافي والاجتماعي في شرق سوريا؟
إن التفاوت الملحوظ، وفق التجارب التي عرضناها، بين النشاط الثقافي في بعض مدن شرق سوريا ونظيره في مدن سورية أخرى يطرح سؤالًا أوسع من حدود الإدارة اليومية للمراكز الثقافية: هل تتشكل في بعض المناطق بيئة ثقافية أكثر تحفظًا بفعل قرارات إدارية، أم بفعل ضغوط اجتماعية، أم نتيجة تفاعل بين الطرفين؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال عبر افتراض وجود خطة مركزية موحدة من دون أدلة مباشرة. لكن تراجع الفعاليات الفنية والسينمائية والموسيقية في بعض المناطق، بالتزامن مع توسع الأنشطة ذات الطابع الديني والدعوي، يستحق البحث والتوثيق.
فقد ينشأ هذا التفاوت من عوامل متعددة، منها ضعف الموارد، ونقص الكوادر الثقافية، وتراجع البنية التحتية، وضعف الترويج للفعاليات، أو تحفظات اجتماعية حقيقية تجاه بعض الأنشطة. وقد ينتج أيضًا عن تدخلات إدارية أو أمنية، أو عن غياب حماية مؤسسية للأنشطة التي تثير الجدل.
والتمييز بين هذه الاحتمالات ضروري لفهم طبيعة المشكلة بدل اختزالها في تفسير واحد.
ومع ذلك، فإن تكرار الاحتجاج بعبارة «هذا ما يريده المجتمع» يستدعي السؤال عن كيفية معرفة إرادة المجتمع أصلًا. هل جرى استطلاع آراء السكان؟ وهل شاركت شرائح مختلفة في تحديد برنامج المركز الثقافي؟ أم أن بعض الأصوات الأكثر تنظيمًا وقدرة على الحشد أصبحت تُقدَّم باعتبارها ممثلة للمجتمع كله؟
فالمجتمع ليس كتلة واحدة متجانسة، ولا يمكن اختزاله في موقف مجموعة من الحاضرين أو المعترضين. ففي كل مدينة توجد أذواق ومواقف وتجارب مختلفة، وقد تكون هناك فئات لا تشارك في الأنشطة الثقافية لأنها لا تجد برامج تناسبها، أو لأنها لا تعلم بوجودها، أو لأنها لا تشعر بأن المؤسسة تمثلها.
وإذا كانت الدولة تسعى إلى بناء مؤسسات عامة تخدم جميع المواطنين، فعليها ألا تكتفي بقياس الأصوات الأكثر ارتفاعًا، بل أن توفر آليات تسمح بظهور التنوع الاجتماعي والثقافي، وتحمي حق الأفراد في المشاركة أو الامتناع عنها.
ولا يعني ذلك فرض نمط ثقافي بعينه على السكان، بل ضمان عدم احتكار أي تيار، دينيًا كان أو سياسيًا أو اجتماعيًا، حق تحديد ما يجوز لبقية المواطنين مشاهدته أو مناقشته.
من يضمن استقلالية المراكز الثقافية؟
إن معالجة هذه الإشكالية لا تبدأ باتهام السلطة المركزية وحدها، ولا بتحميل المجتمعات المحلية مسؤولية القيود، بل بتحديد القواعد التي تحكم القرار الثقافي، والجهة المسؤولة عنه، والضمانات التي تحول دون استخدام الصلاحيات الإدارية لتقييد التعبير.
أولًا، ينبغي وضع معايير وطنية واضحة لتنظيم الأنشطة في المراكز الثقافية، تتضمن أسبابًا محددة ومعلنة لأي رفض أو تأجيل، مع منع القرارات الاعتباطية التي تستند إلى توقعات عامة أو اعتراضات غير موثقة.
ثانيًا، يجب أن تكون القرارات المتعلقة بالفعاليات مكتوبة ومسببة، وأن تحدد الجهة التي اتخذتها والأساس القانوني الذي استندت إليه. فوجود قرار مكتوب يتيح المساءلة والمراجعة، ويحد من تبادل المسؤولية بين الإدارات المختلفة.
ثالثًا، ينبغي حماية استقلالية البرمجة الثقافية ضمن حدود القانون، بحيث يتمتع مديرو المراكز والعاملون فيها بهامش مهني واضح لا يخضع للتدخلات الشخصية أو الضغوط غير الرسمية. وإذا ظهرت مخاوف أمنية أو اجتماعية حقيقية، فينبغي تقييمها على أساس الأدلة والتناسب، والبحث عن حلول لا تؤدي تلقائيًا إلى إلغاء النشاط.
رابعًا، يجب ضمان التوازن والتنوع في البرامج، من خلال إتاحة المجال للأدب والمسرح والسينما والموسيقى والفنون البصرية والمحاضرات الدينية والفكرية، من دون أن يتحول نجاح نوع من الفعاليات إلى مبرر لإقصاء الأنواع الأخرى.
خامسًا، من الضروري إنشاء آليات واضحة لتلقي الشكاوى والاعتراضات على القرارات الثقافية، بما يسمح للمنظمين بمراجعة قرارات المنع أو التأجيل أمام جهة إدارية مستقلة نسبيًا عن الجهة التي اتخذت القرار الأولي.
سادسًا، ينبغي نشر بيانات دورية عن أنشطة المراكز الثقافية، بما يشمل أنواع الفعاليات وعددها وأسباب إلغائها أو رفضها، متى كان ذلك ممكنًا، مع حماية البيانات الشخصية. فمن شأن هذه المعلومات أن تساعد في معرفة ما إذا كانت الفوارق بين المناطق مرتبطة بالموارد والطلب الاجتماعي، أم بأنماط متكررة من التدخل والتقييد.
وأخيرًا، يجب أن تكون مشاركة المجتمع في إدارة الثقافة مشاركة تعددية، لا تفويضًا مفتوحًا لأي مجموعة كي تتحدث باسم الجميع. ويمكن تحقيق ذلك عبر مجالس استشارية محلية تضم فنانين ومثقفين وممثلين عن شرائح اجتماعية مختلفة، مع الحفاظ على المسؤولية القانونية للإدارة العامة وحق الأفراد في التعبير عن آرائهم المختلفة.
خاتمة: الحكومة مسؤولة عن حماية الثقافة لا إدارة الوصاية
إن تجارب الطبقة ومنبج والرقة لا تطرح مجرد سؤال عن عدد الأفلام التي عُرضت أو الأمسيات الشعرية التي أُقيمت، بل تكشف مشكلة سياسية وإدارية تتعلق بطبيعة الدولة التي يجري بناؤها في سوريا، وبمدى قدرة مؤسساتها على حماية الحقوق العامة من تدخلات السلطة والضغوط المحلية.
الحكومة السورية الجديدة مطالبة بتوضيح موقع وزارة الثقافة في هذه المعادلة: هل تملك سلطة فعلية على المؤسسات التابعة لها؟ وهل تستطيع حماية قراراتها وبرامجها من تدخل الجهات المحلية والأمنية؟ أم أن الوزارة تكتفي بالإشراف الإداري، فيما تُترك القرارات الثقافية الفعلية لموازين القوى في كل مدينة؟
لا يمكن للحكومة أن تتحدث عن بناء دولة مؤسسات، وفي الوقت نفسه تترك المؤسسات العامة تعمل وفق معايير مختلفة من منطقة إلى أخرى، أو تسمح بأن تتحول الاعتراضات الاجتماعية إلى سلطة غير رسمية تملك حق تعطيل الأنشطة المرخصة. كما لا يجوز أن تمنح وزارة الثقافة موافقات على الفعاليات ثم تترك منظميها وحدهم في مواجهة الضغوط، من دون موقف رسمي يحمي حقهم في العمل.
إن مسؤولية الحكومة لا تنتهي عند إصدار التراخيص أو تعيين مديري المراكز، بل تبدأ من ضمان قدرة هذه المؤسسات على أداء وظائفها، ومساءلة كل جهة تتدخل في عملها خارج القانون. وإذا كانت هناك اعتراضات اجتماعية، فمعالجتها تكون بالحوار وتوفير ضمانات السلم الأهلي، لا بالتنازل عن الحقوق الثقافية أو تركها رهينة لمن يستطيع فرض صوته بالقوة أو الضغط.
المشكلة ليست في أن تختلف المجتمعات المحلية حول الثقافة، بل في أن تسمح الدولة بتحويل هذا الاختلاف إلى سلطة للمنع، ثم تتراجع عن مسؤوليتها بحجة احترام خصوصية المجتمع.
فاللامركزية لا تعني نقل سلطة الوصاية من دمشق إلى الإدارات المحلية، ولا توزيع حق المنع بين المسؤول الأمني ومدير المركز والمجموعة الاجتماعية الأكثر نفوذًا. إنها تعني توزيع الصلاحيات بوضوح، مع إخضاعها للقانون والمساءلة وضمان الحقوق على امتداد البلاد.
إذا كانت الحكومة السورية الجديدة تريد بناء دولة مواطنة ومؤسسات، فعليها أن تثبت أن حرية النشاط الثقافي حق يحميه القانون، لا امتياز تمنحه السلطة المحلية متى تشاء وتسحبه متى تتغير الظروف. أما استمرار هذا الغموض، فيعني أن الحكومة لا تبني لامركزية إدارية، بل تسمح بتعدد مراكز الوصاية، وتترك المواطنين أمام سلطات مختلفة من دون ضمانة واحدة لحقوقهم.
وهنا تحديدًا تُختبر جدية الدولة الجديدة: ليس في قدرتها على إدارة المؤسسات عندما لا يعترض أحد، بل في قدرتها على حمايتها عندما يصبح الاختلاف موضع خلاف سياسي أو اجتماعي.





